كامرأة خليجية، ماذا يعني لي فوز الروائية العمانية جوخة الحارثي صاحبة "سيدات القمر"؟

كامرأة خليجية، ماذا يعني لي فوز الروائية العمانية جوخة الحارثي صاحبة "سيدات القمر"؟

شريفة الهنائي
السبت 01 يونيو 2019 2:19 ص

في كل رمضان، ألتقي بصديقاتي على موائد اجتماعاتنا السنوية للإفطار والسحور، ونناقش سويًا مجموعة مختلفة من المواضيع تتعلق بقضايا نسوية، وآخر أخبار عملنا والفلسفة والأدب وطموحاتنا الحالية، كما نصوّت على أي ليلة ستوافق ليلة القدر في اعتقادنا - كتقليد اعتدناه في رمضان.

اجتماعنا المُنتظر سينعقد قريبًا، وأنا على ثقة من أن محور الحديث هذه المرة سيكون عن الكاتبة، جوخة الحارثي، وفوزها بجائزة "مان بوكر" العالمية للرواية يوم 21 مايو/أيار، وذلك لأننا مهتمات بالأدب عموما، وبالأدب المتعلق بدول الخليج خصوصا.

شخصيًا، أسعدني كثيرا فوز الحارثي بالجائزة العالمية عن كتابها المترجم للغة الانجليزية "سيدات القمر"؛ ليس لأنها أول شخص عربي وخليجي، أو بالأحرى أول امرأة عربية وخليجية، تفوز بهذه الجائزة المرموقة فحسب، بل أيضًا لأنَّ كتابها يُعد منارة أمل للسرد النسائي الخليجي والعربي باللغة الانجليزية.

صحيح أن فوزها وُوجه بانتقادات عدة؛ منها أن كتابها اختير فقط لأنه تُرجم للإنجليزية، أو أن اختيارها جاء لترويج صورة متسامحة ومتقبلة للثقافات الأخرى. ولكن بطبيعة الحال، يترافق أي نجاح مع سيل من الانتقادات، وهذه الانتقادات لا تمنع أن تكون جوخة الحارثي كاتبة تستحق هذا الفوز عن جدارة.

يحفل الأدب المكتوب باللغة الإنجليزية من قبل كتّاب غربيين وغيرهم، بشخصيات تُصوِّر المرأة الخليجية على أنَّها مُضطهدة من قِبل أسرتها ومجتمعها أو لعوب أو كلتيهما معًا ( وهذا التصوير يشمل العربيات والشرقيات أيضًا ولكني اخترت أن أخص حديثي بالخليجيات في هذه التدوينة ).

وفي كثير من الأحيان، يتم تصويرنا أيضًا على أنَّنا قليلات الحيلة وبحاجة ماسةً إلى الإنقاذ.

هذه الصورة ذاتُها حاضرة بشدة في كثير من أفلام هوليوود والبرامج التلفزيونية ووسائل الإعلام الدولية، وظهرت كنتاج للفكر الاستشراقي الذي يبدو أنَّنا لم نستطع التخلص منه بعد، ولطالما مثّلت مشكلةً كبرى لنساء منطقة الخليج، بما فيهن أنا شخصيًا، لسنوات طويلة لا نهاية لها فيما يبدو، إلى حد أن صار تكرارها نكتةً بيننا نحن النساء، نعرفها ونفهمها جميعًا؛ فكما يقول المثل: "شر البلية ما يُضحك".

وبعيدًا عن إلقاء مثل تلك الطرائف، هذه ليست مسألة ينبغي الاستهانة بها، ولا نفعل ذلك عادة. فرغم كل شيء، يبدو أن اللغة الإنجليزية أصبحت اللغة المعتمدة دوليًا أكثر وأكثر كل يوم بحكم الواقع. وبسبب ذلك، هناك خطر أن هذه الصور النمطية للمرأة الخليجية هي الصور الأولى أو الوحيدة عنهن المتوفرة لكثيرين في أنحاء العالم عند الاطلاع على المحتوى باللغة الإنجليزية.

وبالتالي يمكن أن تكون تداعيات متعددة الجوانب لهذا الأمر ؛ فأنا اضطررت من قبل إلى تصحيح كثير من الأفكار والمفاهيم مرات عدة. فمثلا، أحسستُ أن عددا من الأشخاص الذين قابلتهم خلال أسفاري ودراستي في بريطانيا، يعتقدون أني "مضطهدة من قبل أهلي" كوني عربية ومسلمة وأرتدي الحجاب. كما ان آخرين ظنوا أني من كل بد "مدللة واهتماماتي سطحية" لأنني من منطقة غنية بالنفط (وهذه صورة نمطية أخرى دارجة عنا).

لا أنكر وجود نساء مضطهدات (وللاضطهاد أنواع) في كل أنحاء العالم وفي المجتمعات الغربية أيضًا، ولكن لا يجب أن نقبل أن تكون هذه الصور النمطية هي الرائجة والمنتشرة لنساء منطقة الخليج.

تحكي رواية "سيدات القمر" قصة عائلة عُمانية من ثلاثة أجيال، وتضم مجموعة من الشخصيات النسائية، على رأسهن ثلاث شقيقات: ميّا وأسماء وخولة. لكنَّ أكثر ما يميز جميع الشخصيات النسائية في هذه الرواية هو مدى اختلافهن عن بعضهن البعض؛ ليجد القارئ نفسه أمام تشكيلة واسعة من النساء: منهن القوية، والتقليدية، والرومانسية ورائدة الأعمال المستقلّة. تمامًا كما هو الحال في الواقع في منطقة الخليج.

ولذلك، فإن حقيقة أنَّ هذا التصوير متعدد الأبعاد للمرأة العُمانية والخليجية قد نجح في الفوز بجائزة "مان بوكر" الدولية يعد إنجازا هائلا في حد ذاته.

رواية "سيدات القمر" من سلطنة عمان إلى العالمية

فوز جوخة الحارثي مصدر أمل لي شخصيا، فأنا وأختي أسسنا (مجلة سكة) التي بنيناها على اعتقاد وإيمان نعيشه ونتنفسه كل يوم؛ ألا وهو أنَّه نحن من بيدنا تغيير وجهة النظر العالمية عنّا في نهاية المطاف. وفقط حين نبذل جهدًا لتمثيل أنفسنا ومجتمعاتنا وقصصنا في الأدب ووسائل الإعلام على النطاق الدولي، سوف نتمكن من تغيير وجهة النظر الشائعة عنّا.

نلمس اليوم تزايدا في عمل الخليجيات في الإعلام وفي إخراج المسلسلات والأفلام والأدب، ولكننا بحاجة ماسّة لأن نرى المزيد من أعمالهن موجهة إلى الأشخاص حول العالم. ومن هنا، كان إصرارنا عندما أسسنا مجلة سكة عام 2017، على إطلاقها باللغة الإنجليزية.

منذ سنوات قليلة، تواصلت شقيقتي مع دور أمريكية وبريطانية لتنشر روايتها القصيرة، فنصحتها مؤلفة ومحررة أمريكية ألا تفعل ذلك، مبررةً ذلك بأنَّه لو لم تكن الرواية عن امرأة عربية لعوب أو مضطهدة (ولم تكن قصة شقيقتي تروي ذلك)، فلن ينشرها أحد، وقالت لها: "الناس هناك لا يريدون رؤية العرب كأشخاص عاديين. وإذا كانت الرواية عن امرأة عربية عادية مثلي ومثلك، لن يريد أحد قراءتها".

لذلك، مرة أخرى، يمنحنا فوز جوخة الحارثي الأمل في أنَّ مثل تلك الحوادث قد تصبح شيئًا من الماضي.